![]() |
| أحمد الجمال |
كيف صارت تلك البديهيات بديهيات حتى ترقَّت وحكمت جميع التصرفات ؟!!
في كل ثقافات العالم المختلفة منذ القدم - على حد علمنا - كانت (اللحمة) هي رمز الطعام لدى الأغنياء ، يتبارىَ في الحصول عليها الفقراء حتى أطلقوا عليها (سيدة الطعام) ... فلماذا ؟!
مَنْ الذي ولَّاها وسيَّدَها على طعامنا ؟
فهي لا تشفي من مرض ، وآكلها لا أجر له ولا عوض ، يمكن أن يُستعاض عما فيها من خير بالآخر القليل .. ألبان أو نبات أو حب يشفي العليل ...
لا أدعوا لهجرها بل أتساءل عن سر توليتها !!
فأنا لا أراها إلا صنماً من العجوى صنعناه ، ثم بمشيئتنا عبدناه حتى نقول لدينا إله ...
فلا تعدو كونها رمزاً للثراء ، ومظهراً من مظاهر الوجاهة يتفاخر به سادتنا الأغنياء علينا معشر الفقراء ، حتى تَسَارَعْنا نحن في المبارزة وتسنَّىَ للبعض منَّا تغيير الأحوال ، فصار لزاماً عليهم أن يدخلوا المجال ، ويرددوا مع السادة نفس المقال ، فتركوا الفول والشعير طعاماً للحمير ، وغطوا في نومهم مستلقين على الحرير ...
حكموا مصير الأغلال ، وامتلكوا فائض الأموال حتى بلغوا أعناق الطوال ، فكان لابد أن يميزوا أنفسهم عن الباقين ، فهم الآن الصفوة والعالين ...
هم يملكون المال ، لكن امتلاك المال ليس هو مظهر الثراء ، فالمظهر الحقيقي للثراء يتمثل فيما تم امتلاكه بذلك المال ، أما المال فهو في حد ذاته قطعة ورقية أو معدنية تستمد قيمتها من مُقابِلِها ومُساوِيها ، ومن هنا ظهرت الفكرة .. (اللحمة) !!
تسابق الجميع في الحصول على (اللحمة) فمنهم من وصل ونالها ، ومنهم من عَلا وارتقىَ حتى صار يجعل منها الأشكال والألوان ، ومنهم أولئك البائسون الجالسون الذين يحملقون من وراء جدار ..
وهذا أقصى أمانيهم !!
أمَّا (اللحمة) فستبقى دوماً هي سيدة الطعام ، وقِسْ على ذلك ما تشاء ، فأحوال العالين لا تستطيع القفز أبداً من كفة الميزان ..
ولكن يبقى التساؤل .. هل نحن حقاً نشتهي (اللحمة) أم نشتهي الوصول ؟ الوصول إلى ما هو غير معقول ، إلى ما كنَّا لم نحلم يوماً بالوصول إليه ؟
تلك هي الِشهوة الحقيقية ، شهوة الإمتلاك والتفرد بما تم امتلاكه ، وليتها تقف عند حد ذلك ، لكنَّها تصل إلى التباهي بكل ما هو مملوك لإظهار الفروق ، وإعلام العامة بأن هناك سائق ومسوق ، وإذلالهم بأن هناك عاتق ومعتوق ، لا يتذكرون أن هناك خالق ومخلوق ، يسحق السارق ويجزي المسروق ، وأنه سيبقى دائماً حكمُهم بحكم الله مسبوق ...
تلك هي دنيانا .. إن أردت فَـعِشْها أو ارحل عنَّا في سلام
أحمد الجمَّال
www.facebook.com/elgammal29
01091151166
